الصفحة 158


نظرية تلقي أهل البيت للعلم المقرم في فصل كبير(1).

السنة وعلم الغيب

وبعد أن أشرت إلى أنّ الشيعة يرون أنّ الإِمام مستعد لأن يفيض عليه الله عز وجل من نوره وعلمه لأنّه وُجد القابل فلا بخل، في ساحة الله تعالى فعلم الغيب للذات عند الشيعة مختص بالله تعالى أما علم أهل البيت فأما إفاضة مباشرة من الله عن طريق الإِلهام أو التحديث، أو بتوسط النبي، على أنّه لا ينكر أنّ هناك من يغلو في أهل البيت ونحن من هؤلاء براء وسيمر علينا ذلك إلا أنّ الذي اُريد قوله: إنّ أهل السنة يثبتون علم الغيب لأئمتهم على نحو ما يفعل الشيعة ويرون أنّهم محدّثون: ومن ذلك ما رواه القرطبي في تفسير للآية 52/من سورة الحج وهي قوله تعالى:

(وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي) إلى آخر الآية، فقال: جاء عن ابن عباس أنّه كان يقرأ الآية هكذا: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي ولا محدّث الخ ذكره مسلمة بن القاسم بن عبدالله ورواه سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس قال مسلمة: فوجدنا المحدّثين معتصمين بالنبوة لأنّهم تكلموا باُمور عالية من أنباء الغيب خطرات، ونطقوا بالحكمة الباطنة فأصبوا فيما تكلموا وعصموا فيما نطقوا كعمر بن الخطاب في قصة سارية وما تكلم به من البراهين العالية هذا هو نص ما أورده القرطبي(2) وكذلك روى السيوطي قراءة الآية المذكورة وتكلم عن الحدّثين في تفسيره الدر المنثور فراجعه(3).

وقد روى البخاري في صحيحه باب مناقب عمر عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لقد كان فيما قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا

____________

(1) مقتل الحسين للمقرم باب علم الإِمام ص24 فصاعداً.

(2) انظر القرطبي تفسير سورة الحج من تفسيره.

(3) انظر الدر المنثور 4/366.


الصفحة 159


أنبياء فإن يكن من اُمتي فيهم أحد فعمر، كما أخرج مسلم في صحيحه في باب فضائل عمر عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قد كان في الإِسلام قبلكم محدّثون فإن يكن في اُمتي منهم أحد فعمر بن الخطاب منهم(1).

ولم يقف الأمر عند الخلفاء ولكنّه وصل إلى عمران بن الحصين، فعن مطرف قال: قال لي عمران بن الحصين: اُحدثك حديثاً عسى الله أن ينفعك به: إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم جمع بين حجة وعمرة ثم لم ينه عنه حتى مات ولم ينزل فيه قرآن يحرمه، وإنّي كنت اُحدّث حتى اكتويت فتركت ثم تركت الكي فعاد وقد روى ذلك كل من الدارمي ومسلم في صحيحيهما(2).

ولست أدري ما هي صله الكي بهروب المحدّث والعلم عند الحصين رحمه الله.

بل إنّ عمر بن عبدالعزيز الخليفة الاُموي كان الخضر يمشي معه ويحدثه كما رويّ ذلك ابن حجر في التهذيب(3).

وبعد كل هذا الذي أوردناه فهل يشكل هذا مبرراً لأن يكون أهل البيت ممن يفاض عليهم العلم أم لا؟ أغلب الظن أنّ الإِشكال سيبقى قائماً وسيبقى الشيعة غلاة أومخرفين لأنّهم يقولون إنّ الأئمة يعلمون الغيب بأمر الله.

الأمر الرابع:

الذي استنكره الاستاذ فرغل أن تأتي منزلة أئمة أهل البيت بعد منزلة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مباشرة عند الشيعة، والمقصود الأئمة الإثنا عشر فقط لا غيرهم، والحقيقة أنّ الشيعة ليسوا هم الذين وضعوا الأئمة بهذا الموضع بل السماء هي التي وضعتهم والشيعة تعبدوا بأمر السماء يقول الله عالى: (إنما وليكم الله ورسوله

____________

(1) صحيح البخاري وصحيح مسلم باب فضائل عمر.

(2) الغدير للأميني 6/186.

(3) التهذيب لابن حجر 7/477.


الصفحة 160


والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) 56/المائدة. فقد تظافرت الروايات على نزولها في الإِمام عليٍّ عليه السلام وأنّها أشركته في الولاية العامة وقد روى ذلك كل من الفخر الرازي في تفسيره، وابن جرير الطبري في تفسيره، والبيضاوي في تفسيره، وأبي حيان في تفسيره والزمخشري في تفسيره وابن كثير في تفسيره وغيرهم ثم من بعد القرآن الكريم أعطته السنة النبوية هذه المكانة فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيَّ بعدي، والحديث من الأحاديث المتواترة وقد أخرجه أهل الصحاح ومنهم البخاري ومسلم في صحيحيهما في باب فضائل علي من صحيح البخاري وكذلك من صحيح مسلم.

ويأتي أولاد عليٍّ عليه السلام من بعده وقد وضعهم النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في هذه المكانة وليس أدل على ذلك من أنّه جعلهم عدل الكتاب فقال صلى الله عليه وآله وسلّم إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً. إلى آخر الحديث(1). والآن لنرجع إلى الفكر السني فسنجده يضع أئمته في نفس الموضع بدون نكير بل يرى أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وهو المسدد بالوحي لا يستغني عن هؤلاء الأئمة لحاجته إليهم: يقول الحاكم في المستدرك بسنده عن حذيفة بن اليمان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول لقد هممت أن أبعث إلى الآفاق رجالاً يعلمون الناس السنن والفرائض كما بعث عيسى بن مريم الحواريين، قيل له: فأين أنت عن أبي بكر وعمر؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنه لا غنى بي عنهما إنّهما من الدين كالسمع والبصر(2). بل أعطى السنة للصحابة منزلة تساوي منزلة النبي من ناحية حجية أقوالهم وأفعالهم وكونهم مصدراً للتشريع: يقول موسى جارالله في الوشيعة: «نحن فقهاء أهل السنة والجماعة نعتبر سيرة الشيخين الصديق والفاروق أصلاً تعادل سنن الشارع في إثبات الأحكام الشرعية في حياة الاُمة وإدارة الدولة وأنّ الخلافة الراشدة معصومة عصمة الرسالة وأنّها ناصفتها في

____________

(1) البيان والتعريف لابن حمزة الحنفي 2/136.

(2) مستدرك الحاكم 3/745.


الصفحة 161


تثبيت أركان دين الإِسلام»(1) فالخلفاء كما ينص جارالله هنا سيرتهم تعادل سنة النبي ونص القرآن، والخلفاء معصومون كالنبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأنّهم شاطروا النبي فلهم نصف تثبيت الإِسلام وللنبي صلى الله عليه وآله وسلّم النصف الثاني ويقول الإِمام الغزالي: مذهب الصحابي حجة مطلقاً(2).

ويقول: ابن قيم الجوزي إنّ فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها وإن اختلفوا فإن كان الخلفاء الأربعة في شق فلا شك أنّه الصواب وإن كان أكثرهم في شق فالصواب الشق الأغلب وإن كانوا إثنين وإثنين فشق أبي بكر وعمر أقرب إلى الصواب فإن اختلف أبو بكر وعمر فالصواب مع أبي بكر وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب(3) وما أدري ما يقصده ابن القيم من قرب العهد فإذا كان يريد القرب الزماني فكل الخلفاء كانوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في زمان واحد وإن كان يريد القرب المكاني بالإِضافة لذلك فعليّ كان ألزم للنبي صلى الله عليه وآله وسلّم من ظله فعلى تعليل ابن القيم يجب تقديم قوله إذا تعارض مع أقوال غيره.

ودعني اُحدثك عن أروع من هذا كله وهو أن يكون قول بعض أئمة السنة هو المقياس لتصحيح القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إذا اختلف الكتاب والسنة مع قول ذلك الإِمام: يقول الكرخي من أئمة الأحناق:

الأصل وجوب العمل بقول أبي حنيفة، فإن وافقه نص الكتاب والسنة فذالك. وإلا وجب تأويل الكتاب والسنة على وفق قول أبي حنيفة، وقد ذكر ذلك الأستاذ رشيد رضا في تفسير المنار عند تفسير الآية: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً) الآية 165/ من سورة البقرة(4). ويأتي القوشجي دون الكرخي بمرقاة فإذا كان الكرخي جعل فقه الأحناف هو المقياس الذي يعرض عليه الكتاب والسنة، فإن القوشجي جعل للخليفة عمر حقاً في أن يجتهد مقابل

____________

(1) تظرية الإِمامة ص61.

(2) المستصفى 1/260.

(3) أعلام الموقعين 4/118.

(4) تفسير المنار 2/83.


الصفحة 162


الرسول فاسمعه في مبحث الإِمامة من كتابه شرح التجريد يقول: إنّ عمر قال وهو على المنبر: أيها الناس ثلاث كنَّ على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وأنا أنهى عنهنّ واُحرمهنّ واُعاقب عليهنّ: متعة النساء، ومتعة الحج، وحيَّ على خير العمل، ثم عقب القوشجي على ذلك بقوله: إنّ ذلك ليس مما يوجب قدحاً فيه فإنّ مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الإِجتهادية ليس ببدع(1).

بعد ذلك نقول للأستاذ فرغل إننا نضع الإِمامة بعد النبوة ونتعبد بما أعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلّم للإِمام عن صلاحيات، ولكننا لا نجعل الإِمام مقياساً يعرض عليه الكتاب والسنة بل العكس المقياس هو الكتاب والسنة ونرمي بما خالفهما عرض الجدار، كما أننا لا نجيز الإِجتهاد مقابل النص كما اعتبر القوشجي النبي صلى الله عليه وآله وسلّم على أنّه مجتهد وقد خالف بذلك إطلاق قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) الآيتان 3و4/ من سورة النجم، ومع ذلك فإنّ تقييم الإِمام عندنا موضع استغراب، بينما يذهب غيرنا في أئمتهم إلى ما ذكرناه عنهم ومع ذلك لا تسمع من ينقدهم فلماذا هذا يا أستاذ فرغل؟ هل حاولت مرة أنت أو أمثالك أن تسألوا أنفسكم عن صحة عقائدكم أو تنقدوها كما تنقدون غيركم أم أنكم شعب الله المختار يجوز لكم ما لا يجوز لغيركم أم ماذا؟

5 ـ الأمر الخامس:

إعتبر الأستاذ فرغل روايات الشيعة بأنّها مناخ صالح للغلو، واُريد أن أشرح للأستاذ فرغل موقف الشيعة من الغلو والغلاة: فالغلو عرّفه الطبرسي في تفسيره عند شرح الآية 77 من سورة المائدة: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق) بأنه ما يقابل التقصير وهو تجاوز الحد، فقال: إنّ معنى الآية: لا تتجاوزوا الحد الذي حدّه الله، لكم إلى الإِزدياد، وضده: التقصير وهو الخروج عن الحد إلى النقصان، والزيادة في الحد والنقصان عنه كلاهما فساد، ودين الله الذي أمر به هو بين الغلو والتقصير وهو الإِقتصاد ـ أي الإِعتدال ـ (2).

____________

(1) الغدير للأميني 6/223.

(2) مجمع البيان 2/230.


الصفحة 163


أما مناشئ الغلو فأبرزها وأهمها في نظرنا أربعة مناشئ هي على التوالي:

أ ـ المنشأ الأول:

أن يغالي الإِنسان بشخص أو فكرة ليتخذ من ذلك مبرراً لاختياره الإِنتماء لهذه الفكرة أو الشخص فكأنّه يريد مرجحاً أمام الناس ومبرراً نفسياً ويتبلور هذا المعنى أكثر وأكثر في العقيدة بالأشخاص فإنّ الأتباع يحاولون رفع من يعتقدون به إلى مستويات غير عادية وهذا المعنى موجود على الصعيد الديني والسياسي، فقد وصف هوبز الحاكم بأنّه المعبر عن إرادة الله وإرادة الشعب، ومنحه السلطة المطلقة في التصرف، ولم يعط الشعب حق عزله واعتبر إرادته من إرادة الله تعالى، وقد ذهب فلاسفة الألمان نفس المذهب فيما خلعوه على الحاكم من صفات، وأشدهم في ذلك: هيكل أستاذ ماركس، فالملك عند هيكل صاحب السلطة المطلقة، وله مركز مستقل عن مصالح الأفراد وتتمثل في شخصيته الذات النهائية وهو مجموع الشعب مشخص في واحد، وهو وهو الخ. وقد سبق هؤلاء جميعاً أفلاطون حين أعطى الحاكم منازل مقدسة، وكذلك الفارابي حيث صور رئيس المدينة بأنّه متصل بالعقل الفعال حيث يقترب من الله تعالى(1).

إنّ كل هذه المواقف تبرير لاعتناق الفكرة بنحو وآخر يوجده تصور معين.

ب ـ المنشأ الثاني للغلو:

رد الفعل فإنّ البعض قد يضطهد من أجل معتقداته، وقد ينتقص أو يشتم أو يهزأ به فيدفعه كل ذلك إلى المغالاة بدافع رد الفعل، ولهذا رأينا القرآن الكريم في مثل هذه المواطن أخذ العوامل النفسية بعين الأعتبار إذ يقول تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) 108/ الأنعام. وهذه المسألة لها تطبيقاتها على أبعاد التاريخ في كثير من الموارد، ومن هنا ذهب دونالدسن: إلى أنّ القول بالعصمة هو رد فعل من الخلفاء الغاصبين وهو

____________

(1) نظرية الإِمامة ص135 فصاعداً.


الصفحة 164


واهم بذلك(1).

وقد كان لردة الفعل دور كبير في تاريخ المسلمين وعقائدهم يجب أن يؤخذ بعين الإِعتبار عند معالجة كثير من المواقف وتقييم النصوص في مختلف الميادين.

ج ـ المنشأ الثالث:

هو الغلو الذي ينشأ من الطيبة والبراءة وحسن الظن بالآخرين فيركن إلى مرويّاتهم من دون تمحيص خصوصاً من الذين اندسوا في الإِسلام لسبب وآخر وأردوا تغطية حقيقتهم فتحمسوا تحمساً مشبوهاً لأشخاص أو أفكار، وهذا المنشأ: الحديث فيه طويل فإنّ كثيراً من المندسين لبعوا دوراً بارزاً في تسجيل نظريات ومواقف تنزع إلى الغلو حتى أفسدوا على كثير من المسلمين عقائدهم لمختلف الأهداف التي كانت تدفعهم وقد كان لكل مذهب من المذاهب حصة من هؤلاء تكثر أو تقل تبعاً لظروف المذهب نفسه وربما يمر علينا هذا المعنى مفصلاً فيما يأتي.

د ـ المنشأ الرابع عدم الدقة:

فقد يبتلي بعضهم بشبهات نتيجة فهم خاطئ، أو تعميم غير مبرر علمياً كان يرى رأياً لشخص من طائفة فيعمم رأيه على الطائفة كلها، وقد تذهب جماعة إلى رأي ثم تبيد ويبقى الرأي فيأتي من يحمل الرأي للآخرين، قد يكون استنتاجاً لرأي من لازم من لوازم القول لم يتفطن له صاحب القول نفسه، وقد يكون نتيجة خطأ في تطبق ضابط من الضوابط الكلية على بعض الجزيئات وهكذا، ولذا لابد من التروي والحذر الشديد عند الكتابة عن فئة أو طائفة، ولا بد من أخذ رأيها من مصادرها المتسالم عليها، فإذا كان بعض الشيعة في يوم من الأيام غالى بالإِمام عليٍّ لقلعه باب خيبر فليس كل الشيعة كذلك وإذا كان شخص قال لعليٍّ وهو يخطب أنت أنت فليس كل الشيعة كذلك.

____________

(1) عقيدة الشيعة لدونالدسن ص228.


الصفحة 165


موقفنا من الغلو والغلاة

وبعد شرح مناشئ الغلو أو أهمها نقول: إنّ الشيعة تبعاً لمواقف أئمتهم وقفوا موقفاً حازماً من الغلوا والغلاة فسلطوا عليهم الأضواء وتبرأوا منهم وكافحوهم وشهروا بهم، وهم بذلك لا يتعدون موقف أمير المؤمنين عليه السلام حينما يقول: «هلك فيَّ اثنان محب غالٍ وعدو قال» وموقف الإِمام الصادق عليه السلام حينما يقول: «ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون وموقوفون، ومسؤولون، من أحبَّ الغلاة فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبنا، الغلاة كفار والمفوضة مشركون، لعن الله الغلاة ألا كانوا نصارى ألا كانوا قدرية ألا كانوا مرجئة ألا كانوا حرورية» (1).

والإِمامية لا يورثون الغلاة وإليك نص عبارتهم في ذلك: يرث المحق من المسلمين من مبطلهم ومبطلهم من محقهم ومبطلهم، الا الغلاة يرث منهم المسلمون وهم لا يرثون المسلمين كما أنّ الإِمامية لا يغسلون موتى الغلاة ولا يدفنونهم ويحرمون تزويجهم وإعطائهم الزكاة، وتجد هذه الأحكام موزعة في كتب فقه الإِمامية في أبواب الطهارة والزكاة والإِرث، إنّ الإِمامية لا يعتبرون الغلاة مسلمين:

يقول الشهيدان الأول والثاني في اللمعة وشرحها في باب الوقف! عنه تعريف المسلمين: والمسلمون من صلّى إلى القبلة أي اعتقد الصلاة إليها وإن لم يصلِّ لا مستحلاً، الا الخوارج والغلاة فلا يدخلون في مفهوم المسلمين وإن صلوا إليها للحكم بكفرهم(2) وألحقا بهم المشبهة والمجسمة في الحكم، بل إنّ

____________

(1) بحار الأنوار للمجلسي 3/51.

(2) اللمعة الدمشقية 1/288 طبع إيران.


الصفحة 166


الإِمام الصادق عليه السلام يعتبر الجلوس إلى الغالي وتصديقه بحديثه مخرجاً من الإِيمان كما روى ذلك المفضل بن يزيد قال: قال لي أبو عبدالله الصادق وقد ذكر أصحاب أبي الخطاب والغلاة: «لا تقاعدوهم ولا تؤاكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا تورثوهم» وقال الصادق لمرازم أحد أصحابه: «قل للغالية توبوا إلى الله فإنّكم فساق مشركون»(1).

آراء بعض الباحثين

وانطلاقاً من ذلك يقول الشيخ المفيد: الغلاة من المتظاهرين بالإِسلام وهم الذين نسبوا أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب وذريته إلى الاُلوهية والنبوة ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد وخرجوا عن القصد فهم ضلاّل كفار(2).

ولا أحتاج إلى حشد النصوص والأدلة على براءة الشيعة من الغلاة وأي موقف أشد صراحة من هذه المواقف التي ذكرتها. ولا يسع مؤمناً يؤمن بالله ورسوله ويصدر عن تعاليم الإِسلام في سلوكه ثم ينزع إلى الغلو في عقيدة أو بشر إلا من ضرب الله على بصيرته. ولأجل وضوح موقف الشيعة من الغلاة انطلقت الأصوات الموضوعية تشهد ببراءتهم من ذلك، ومن هذه الأصوات: مؤلفوا دائرة المعارف الإِسلامية فقد جاء في دائرة المعارف:

الزيدية والإِمامية الذين يؤلفون المذهب الوسط يحاربون الشيعة الحلوليين حرباً شعواء ـ الحلولي لا نعتبره من الشيعة كما مر ـ ويعتبرونهم غلاة يسيئون إلى المذهب بل يعتبرونهم مارقين عن الإِسلام(3).

ويقول الدكتور أحمد محمود في نظرية الإِمامة عند ذكره للبابية والبهائية:

____________

(1) الإِمام الصادق لأسد حيدر 4/150.

(2) شرح عقائد الصدوق للشيخ المفيد باب الغلاة.

(3) دائرة المعارف الإِسلامية 14/63.


الصفحة 167


وفي البابية آراء غالية جعلت منها مذهباً منشقاً تماماً عن الإِسلام، واتفق علماء الأزهر في مصر وعلماء الشيعة في العراق وإيران على تكفير البابية والبهائية واُغلق المحفل البهائي في مصر(1). وقد استعرض الدكتور أحمد أمين حركة الغلاة فقال: إنّ أفراداً بسطاء هم الغلاة الذين يؤلهون علياً وإنّ الشيعة تبرأ منهم ولا يجوز عندهم الصلاة عليهم(2). هذه أمثلة بسيطة في موضوع الغلو والغلاة أضعها أمام الذين دأبوا على رمي الشيعة بالغلو ولست أنفي أن يكون بعض من شمله اسم الشيعة بمعنى انتمائه إلى الفئة التي تفضل علياً أو قل للتشيع بمعناه اللغوي قد نسبت له آراء وأقوال تفيد الغلو وقد بادوا وبادت معهم آراؤهم ولا يوجد اليوم منهم أحد إلا في بطون الكتب ومن ذلك ماذكره البغدادي في الفَرْق بين الفِرَق حيث قال: الإِمامية من الرافضة هم خمس عشرة فرقة هي: الكاملية، والمحمدية، والباقرية، والناووسية، والشمطية، والعمارية، والإِسماعيلية، والمباركية، والموسوية، والقطعية، والإِثنا عشرية، والهشامية، والزرارية، واليونسية، والشيطانية،(3) وتعقيباً على قول البغدادي نذكر أن الإِمامية هم الإثنا عشرية وهم جمهور الشيعة اليوم ولا يوجد من الشيعة غيرهم وغير الزيدية والإسماعيلية في هذه الآونة، ثم إنّ الإِثني عشرية الذين هم مدار بحثنا يمتازون عن غيرهم بعقائدهم ولا يصح أن تنسب إليهم آراء غيرهم لأنّه يجمعه معهم الإِسم وشيء آخر هو أنّ من ذكرهم البغدادي قد يمثلون لكل فرقة ذكرها بضعة أفراد ليس إلا، وهذا اللون من الخبط والتساهل تعلمنا أن نرى مثله كثيراً في كتاب الفرق لابن طاهر وغيره خذ مثلاً ما يقول ابن طاهر في كتابه الفَرق بين الفِرَق عن جابر بن يزيد الجعفي يقول:

جابر بن يزيد الجعفي من المحمدية وهم أصحاب محمد بن عبدالله بن الحسن ينتظرون ظهوره وكان يقول برجعة الأموات إلى الدنيا قبل القيامة(4).

____________

(1) نظرية الإِمامة ص436 هامش.

(2) فجر الإِسلام ص2371.

(3) الفرق بين الفرق ص53.

(4) الفرق بين الفرق ص44.


الصفحة 168


ولم يكن جابر من أتباع محمد بن عبدالله بن الحسن، ولا كان يقول برجعة مطلق الأموات وإنما كان يقول برجعة بعض أهل البيت لروايات سمعها ليس إلا، وهكذا يكون التحقيق عند أمثال ابن طاهر من الكتّاب كأنّ مسألة العقائد أمر بهذه السهولة بحيث ينسب للناس ما لم يقولوه ويرجعهم إلى فئة ليسوا منها.

وأعود لموضوع الغلاة فأقول قد اتضح للقارئ موقف الشيعة من الغلاة ولكن مع ذلك تجد باحثاً كالزبيدي صاحب تاج العروس يعرف الإِمامية في كتابه التاج فيقول: الإِمامية هم فرقة من غلاة الشيعة (1)، وتجد الدكتور محمود حلمي في كتابه تطور المجتمع الإِسلامي العربي يقول: وقد سموا بالشيعة لأنهم شايعوا علياً وقدّموه على سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم واستشهد أهل الشيعة بنصوص من القرآن الكريم فسروها على حسب نظريتهم وغالى بعض الشيعة في تبرير أحقية عليِّ بن أبي طالب وأضفى عليه بعض صفات التقديس والاُلوهية(2) إنّك لتستغرب لهجة هؤلاء الكتّاب خصوصاً بعض كتاب مصر فإنّهم يصوّرون الشيعة كأنّهم اُناس لا إيمان لهم ولا دين يتلاعبون بالنصوص من دون رقيب من الله تعالى ولا ضوابط من علم وخلق، وإنّهم والله أولى بذلك، وإلا فما الدليل على ماذكره محمود حلمي وهذه كتب الإِمامية بين يديه فليدلنا على مكان تنسب فيه الشيعة الحلول والاُلوهية إلى عليٍّ وسوف لا يجد ذلك قطعاً إنّهم يصدرون فيما يقولون عن عدم شعور بالمسؤولية: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولوا إلا كذبا) الكهف/5 والأنكى من ذلك أن تجد من تأثر بهؤلاء الكتّاب من قريب أو بعيد وهو من الشيعة وتراه يكتب بنفس الأسلوب ورحم الله من يقول:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة * على المرءِ من وقع الحسام المهنّد

يقول الدكتور كامل مصطفى في كتابه: وبذلك يتبين أن الغلاة وإن كانوا مغضوباً عليهم من الشيعة المعتدلين وأئمتهم: قد أسسوا العقائد الأصلية للتشيع

____________

(1) تاج العروس 8/194.

(2) تطور المجتمع الإِسلامي ص48.


الصفحة 169


في بداء، ورجعة، وعصمة وعلم لَدُنّي بحيث صارت مبادئ رسمية للتشيع فيما بعد ولكن على صورة ملطفة إنتهى، وظهرلي أنّ الدكتور كامل أخذ ذلك من تصريح ابن نوف وهو أحد أصحاب المختار وهو قد أخذها من المختار(1) واُعيد إلى الذاكرة أنّ العقائد قد أخذها الشيعة من القرآن والسنة كما برهنا عليه فيما مر، ثم لو قدر أنّ ابن نوف هذا او المختار قد قالا قولاً خاصاً بهما فما ذنب الشيعة ومن هو ابن نوف حتى يمثل الشيعة؟! وإذا كان الدكتور كامل يعترف بأنّ الغلاة مغضوب عليهم من الشيعة وأئمتهم فكيف تأخذ الشيعة منهم وهي إنما غضبت عليهم لغلوّهم إذا كانت هذه العقائد من الغلوّ وهو ليس منه في شيء، أليس هذا هو التناقض بعينه؟ وإذا كنا نعذر حلمي وأمثاله لأنّهم لم يأخذونا من مصادرنا فما عذر مثل كامل الشيبي وهو من الشيعة ويعيش بين مصادرهم. وليس هذا بالإِستنتاج الوحيد من الدكتور كامل الذي لا نقره عليه بل له استنتاجات كثيرة من هذا النوع ومنها: أنّه عندما استعرض مصادر القول بالرجعة عنه الشيعة ذكر أنّ من مصادرها كلمات للإِمام عليٍّ عليه السلام وردت في نهج البلاغة عندما أظفر الله تعالى بأصحاب الجمل وقال له بعض أصحابه: وددت أن أخي فلاناً كان شاهدنا ليرى ما نصرك الله به على أعدائك فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أَهوى أخيك معنا؟ قال: نعم، قال: فقد شهدنا، ولعل الإِمام يشير إلى الآية: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) 169/آل عمران. ولكنّ الخبر يتوجه إلى الرجعة بكل ما فيها من عبرة وعمق بل إنّ بقية الخبر تنفذ إلى أغوار بعيدة من فلسفة الرجعة وحكمتها فإنّ الإِمام يقول:

ولقد شهدنا في عسكرنا هذا أقوام في أصلاب الرجال وأرحام النساء سيرعف بهم الزمن ويقوى بهم الإِيمان، ومن ذلك يبدو أنّ علياً لا يكتفي بتقرير عودة الماضين في الجهاد ليقطفوا ثمرة جهادهم بل يقرر أنّ المجاهدين الآتين يحضرون هذا النصر، ليزيد ذلك من أيدهم ويربط على قلوبهم وتلك اُمور فيها من

____________

(1) الصلة بين التصوف والتشيع ـ فصل الغلاة.


الصفحة 170


الأفلاطونية القديمة والحديثة مدخل كبير انتهى كلامه(1).

وأنا أضع هذا النص بين يدي القارئ ليرى ما هو مقدار الصواب من هذه الإِستنتاجات التي أوردها الدكتور والآثار التي رتبها عليها والإِكتشافات الأفلاطونية التي ذكرها، واُعقب على ذلك بما يلي:

أولاً:

إذا كان هذا النص وارداً في الرجعة فمعنى هذا أنّ الإِمام علياً عليه السلام هو الذي وضع عقيدة الرجعة وليس الغلاة كما يقول الدكتور كامل.

ثانياً:

إنّ هذا النص ولكل بساطة أجنبي بساطة أجنبي كما ذكره الدكتور ولا صلة له بالمرة بالمعاني التي ذكرها وكل ما في الأمر أنّ هذا النص يفيد معنى الرواية «من أحبَّ عمل قوم حشر معهم وشاركهم في عملهم» ولذلك سأل الإِمام عليّ عليه السلام الرجل عن هوى أخيه هل هو مع أمير المؤمنين عليه السلام وأصحابه فلما أجابة بنعم قال: «لقد شهدنا» أي شاركنا بمشاعره ثم قال له الإِمام: إنّ جميع من سيرعف بهم الزمان وهم على رأينا سيشاركوننا بعد ذلك بحصول الثواب والفرح بالنصر، وكم لهذا الموضوع من نظائر، ومن ذلك ما رواه مؤرخوا واقعة الطف حيث قالوا: إنّ جابر بن عبدالله زار الحسين عليه السلام بعد قتله فقال في زيارة: «أشهد أنّا شاركناكم فيما أنتم فيه» فقال له رفيقه الأعمش: إن القوم قطعت رؤوسهم وجاهدوا حتى قتلوا فكيف شاركناهم نحن فيما هم فيه؟ فقال له جابر: إنّ نيتي ونية أصحابي على ما مضى عليه الحسين وأصحاب الحسين ذكر ذلك أصحاب المزارات كافة، هذا هو معنى كلام الإِمام عليّ عليه السلام لا كما ذهب إليه الدكتور.

أين موضع الغلو

أعود بعد ذلك لأضع بين يدي الأستاذ فرغل بضع روايات من مئات من نوعها تدله على موضع الغلو ليعلم أنّ الغلو عند غير الشيعة، وعلى أسوأ

____________

(1) الصلة بين التصوف والتشيع ص114.


الصفحة 171


الفروض فإنّ عند السنة أضعاف ما عند الشيعة، وسأبدأ معه من الخلافة وأتسلسل معه.

1 ـ الشاهد الأول:

ذكر الشيخ إبراهيم العبيدي المالكي في كتابه عمدة التحقيق في بشائر آل الصديق قال روي أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قال يوماً لعائشة: إنّ الله لما خلق الشمس خلقها من لؤلؤة بيضاء بقدر الدنيا مائة مرة وأربعين مرة ـ مع ملاحضة أنّ حجم الشمس كما يقول الفلكيون مليون وثلثمائة ألف مرة تقريباً ـ وجعلها على عجلة وخلق للعجلة ثمانمائة عروة وستين عروة وجعل في كل عروة سلسلة من الياقوت الأحمر، وأمر ستين ألفاً من الملائكة المقربين أن يجروها بتلك السلاسل مع قوتهم التي اختصهم الله بها، والشمس مثل الفلك على تلك العجلة وهي تجول في القبة الخضراء وتجلو جمالها على أهل الغبراء وفي كل يوم تقف على خط الإِستواء فوق الكعبة لأنّها مركز الأرض:ـ ملاحظة: خط الإِستواء ليس فوق الكعبة ـ وتقول يا ملائكة ربّي إنّي لأستحيي من الله عز وجل إذا وصلت إلى محاذاة الكعبة التي هي قبلة المسلمين أن أجوز عليها والملائكة تجر الشمس لتعبر على الكعبة، بكل قوتها فلا تقبل منهم وتعجز الملائكة عنها فالله تعالى يوحي إلى الملائكة ومن الإِلهام فينادون: أيتها الشمس بحرمة الرجل الذي اسمه منقوش على وجهك المنير الا رجعت إلى ما كنت في من السير، فإذا سمعت ذلك تحركت بقدر المالك فقالت عائشة:

ي