|
|
|
|
وأما الزعم الثالث:
وهو انتشار الفكر الشيعي عن طريق الموالي وتعاظم نفوذهم وامتداده تبعاً لذلك فيكذبه أنّ هذا المضمون بجملته غير صحيح فقد نكب الفرس أيام العباسيين وضرب نفوذهم أكثر من مرة، ومن أمثلة ذلك القضاء على أبي مسلم وأتباعه أيام المنصور والقضاء على البرامكة أيام الرشيد، والقضاء على آل سهل أيام المأمون وهكذا، يبقى أنّ الموالي لمعوا في ميادين اُخرى فذلك صحيح بالجملة، وتصور نفوذ الفرس إنما هو من أيام السفاح حتى أيام المأمون وهي كما ترى لا تثبت للفرس والموالي نفوذاً خارج دائرة العباسيين وإنّما ضمن دائرتهم بحيث يستطيعون احتواءهم في أي وقت. أما الفترة التي تبدأ من عصر المتوكل حتى نهاية الحكم العباسي فإنّ الحكم العباسي ضعف نفوذه حتى انقض عليه حكام الأطراف. ولا يعني ذلك استشراء نفوذ الفرس فقط بل هو شأن الكيان الضعيف الذي ينهشه كل طامع. إنّ العوامل التي أدت إلى ضعف الحكم العباسي أشبعها الباحثون بالتفصيل.
إنّ التصوير نفوذ الفرس بالشكل الذي أورده بعضهم ونفوذ الموالي مبالغ فيه غاية المبالغة فإذا كانت الشعوبية قد وجدت أيام العباسيين فإنّها امتداد لنزعة الشعوبية منذ أيام الأمويين وإذا كان للفرس نفوذ فلم يصل إلى الحد الذي ينتزع نفوذ العرب، بل كان ذلك النفوذ ملحوضاً من قبل الدولة ومسموحاً به لأهداف كثيرة استهدفها العباسيون من السماح بذلك ـ.
يقول فلهوزن عن نفوذ الفرس في العصر العباسي: أما أنّ النفوذ الفارسي كان هو الراجح فهو أمر غير مؤكد(1).
أما الشق الثاني من هذا الزعم وهو تنفس التشيع أيام العباسيين فهو غير صحيح بل العكس هو الصحيح فإنّ العباسيين أولعوا بدم الشيعة وأئمتهم
____________
(1) الزندقة والشعوبية لسميرة الليثي ص81.
|
|
|
|
وتعرض التشيع في مختلف أدوارهم إلى محن وخطوب مروّعة عدى فترات بسيطة مرت مرور الغمام كما هو الحال في فترة البويهيين وبالجملة إنّ كتب التاريخ قد حفظت لنا صوراً مروعة من تعرض الشيعة للإبادة أيام العباسيين وبوسع القارئ الرجوع إلى أي كتاب من كتب التاريخ الرئيسية ليرى ذلك واضحاً.
وبعد هذا التعقيب البسيط على هذه المزاعم: أعود إلى تلاميذ المستشرقين الذين نسجوا على منوال أساتذتهم فقلدوهم في هذا الزعم وهو فارسية التشيع ومنهم:
1 ـ الدكتور أحمد أمين:
يذهب الدكتور أحمد أمين إلى استيلاء الفكر الفارسي على التشيع برغم قدم التشيع على دخول الفرس فيه وذلك لأنّ أكثر الشيعة فرس ـ على زعمه ـ فغلبت نزعاتهم على التشيع وصبغته بالفارسية ولنستمع إلى قوله حرفياً:
(والذي أرى كما يدلنا التاريخ أنّ التشيع لعليٍّ بدأ قبل دخول الفرس في الإِسلام ولكن بمعنى ساذج ولكنّ هذا التشيع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الاُخرى في الإِسلام وحيث أنّ أكبر عنصر دخل الإِسلام الفرس فلهم أكبر الأثر بالتشيع(1).
ويقول في مورد آخر: فنظرة الشيعة في عليٍّ وأبنائه هي نظرة آبائهم الأولين من الملوك الساسانيين، وثنوية الفرس كانوا منبعاً يستقي منه الرافضة في الإِسلام فحرك ذلك المعتزلة لدفع حجج الرافضة(2).
إنّي أطلب من القارئ هنا التأمل في هذه اللهجة الحادة التي يفح منها الشرر والنار حتى يعرف مدى موضوعية أحمد أمين ونظرائه، وقد دأب أحمد أمين على اجترار هذه الفكرة وترتيب الآثار عليها كما يظهر ذلك واضحاً في كل
____________
(1) فجر الإِسلام ص276.
(2) فجر الإِسلام ص111.
|
|
|
|
مؤلفاته، إنّ التركيبة التي تكوّن منها أحمد أمين هي الحقد والكراهية للشيعة، زائداً تقليد المستشرقين فيما يقولونه عنهم.
2 ـ محمد أبو زهرة:
يذهب الشيخ محمد أبو زهرة إلى نفس رأي أحمد أمين ويضيف له: إنّ أكثر الشيعة الأوائل فرس ولنستمع إلى ما يقوله في هذا الموضوع وهو يستعرض آراء المستشرقين ويعقب عليها قال: وفي الحق أنا نعتقد أنّ الشيعة قد تأثروا بالأفكار الفارسية حول الملك ووراثته ويزكي هذا أنّ أكثر أهل فارس إلى الآن من الشيعة وأنّ الشيعة الأولين كانوا من أهل فارس(1) ورحم الله أبا الطيّب المتنبي إذ يقول:
ودهر ناسه ناس صغار * وإن كانت لهم جثث ضخام
وأبو زهرة مورد انطباق هذا البيت، إنّه يقول إنّ الشيعة الأولين كانوا من أهل فارس وأنا أطلب من كل قارئ أن يستخرج لي من الشيعة الأولين خمسة من الفرس وأنا متأكد سلفاً أنّهم لا يجدون هذا العدد، فهل تبقى بعد ذلك قيمة لأقوال مثل أبي زهرة وكم لأبي زهرة من أقوال لا تعرف التحقيق وعلى كل حال لقد لقي الرجل ربه وأسأل الله تعالى له العفو.
3 ـ أحمد عطية الله:
وهذا الرجل ممن نسج على منوال المستشرقين بنسبة التشيع للفارسية فهو يرى أنّ الأفكار الشيعية تأثرت بالفارسية عن طريق عبدالله بن سبأ الذي نقل للتشيع أكثر من رافد فكري ومن هذه الروافد: الفارسية فقد قال بالحرف الواحد:
وإنّ ابن السوداء انتقل إلى المدينة وبث فيها أقوالاً وآراء منافية لروح الإِسلام نابعة من يهوديته، ومن معتقدات فارسية كانت شايعة في اليمن وبرز في
____________
(1) تاريخ المذاهب الإِسلامية 1/41.
|
|
|
|
صورة الداعية المنتصر لحق الإِمام عليٍّ عليه السلام وادعى أنّ لكل نبي وصياً وأنّ علياً وصي محمد الخ(1). هذه مجرد عينة من النماذج التي نسجت على منوال المستشرقين، وإنّك لتجد هذه الفكرة عند المتأخرين من كتاب السنة شائعة يتلقاها الخلف عن السلف ثم يحاول تعميقها وترسيخها بما يملكه هو من عبقرية وسوف لا أتعجل الرد على الفكرة إلا بعد أن أستوفيها فأذكر لك أقوالهم في تعليل دخول الفرس للتشيع فإنّ ذلك يكون بمثابة الروح للبحث. إنّ أبرز هذه التعليلات التي ساقوها واعتبروها مبرراً لدخول الفرس إلى التشيع ثلاثة اُمور:
____________
(1) القاموس الإِسلامي 3/222.
|
|
|
|
أسباب دُخول الفُرس للتشيع
في نظر السُّنّة
1 ـ الأمر الأول:
إصهار الحسين إلى الفرس لأنّه تزوج ابنة يزدجرد وهو أحد الملوك الساسانيين واسمها شاه زنان فولدت له عليَّ بن الحسين الذي اجتمعت في الخواص الوراثية للأكاسرة وخواص الإِمامة من آبائه كما يقول أبو الأسود الدؤلي:
وإنّ وليداً بين كسرى وهاشم * لأكرم من نيطت عليه التمائم
وفي ذلك تقول سميرة الليثي معقبة على رأي أرنولد توينبي في انتشار الإِسلام بين الفرس:
الذي أدى إلى انتشار الإِسلام هو زواج الحسين من شاهبانو إحدى بنات يزدرجرد وقد رأى الفرس في أولاد شاهبانو والحسين وارثين لملوكهم الأقدمين(1) فزواج الحسين على رأي هؤلاء أحد العوامل التي أدت إلى انتشار التشيع لأهل البيت عند الفرس.
2 ـ الأمر الثاني:
التقارب في الآراء بين الشيعة والفرس ومن تلك موضوع الحق الإِلهي فكل
____________
(1) الزندقة والشعوبية ص56.
|
|
|
|
منهما يرى أنّ الحق الإِلهي ثابت لمن يتولاه من القادة فالفارسي يراه للملوك الفرس والشيعي يراه للإِمام الذي يقول بإمامته، وهذا المعنى وإن صوّره بعضهم بأنّه تأثر من الشيعة بالفرس، ولكن لما كان التشيع أقدم من دخول الفرس فيه ولما كان الرواد من الشيعة كلهم عرب كما أثبتنا ذلك فيما سلف ولما كانت نظرية الشيعة في الإِمام لم تختلف عند زرارة عما كانت عليه عند أبي ذر وعمار ينتج من ذلك أنّ نظرية الحق الإِلهي التقى بها الشيعة مع الفرس ولم تكن نتيجة تأثر بآراء الفرس بحكم إيمان الشيعة بأن علياً وصي النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وأنّه منصوص عليه، وقد دأب على ذكر هذا التقارب كثير من المستشرقين وتلاميذهم يقول محمد أبو زهرة:
وبعض العلماء ومنهم دوزي المستشرق قرر أنّ أصل المذهب الشيعي نزعة فارسية إذ أنّ العرب تدين بالحرية والفرس تدين بالملك وبالوراثة ولا يعرفون معنى الإِنتخاب، إلى أن قال إنّ الشيعة قد تأثروا بالأفكار الفارسية حول الملك ووراثته(1).
وكذلك يذهب إلى هذا الرأي أحمد أمين وجملة من المستشرقين ذكرهم هو من الذاهبين لهذا الرأي، وقد أفاض في شرح هذا المعنى في كتابه فجر الإِسلام معززاً رأيه بآراء المستشرقين(2).
3 ـ الأمر الثالث:
إرادة هدم الإِسلام عن طريق الدخول في المذهب الشيعي التستر بحب أهل البيت ثم نقل أفكارهم الهدامة للإسلام كالقول بالوصية والرجعة والمهدي وغير ذلك. وفي ذلك يقول أحمد أمين: الحق أنّ التشيع كان مأوى يلجأ إليه كل من أراد هدم الإِسلام لعداوة أو حقد ومن كان يريد إخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية وهندية ومن كان يريد استقلال بلاده والخروج على مملكته كل هؤلاء كانوا يتخذون حب أهل البيت ستاراً(3) وأرجو ملاحظة نغمة استعداء
____________
(1) تاريخ المذاهب الإِسلامية 1/40.
(2) فجر الإِسلام ص276.
(3) فجر الإِسلام نفس الصحيفة 276.
|
|
|
|
السلطة على الشيعة فهي نغمة ضرب عليها الكثيرون من قبله ومن بعده كصاحب المنار مثلاً (1) إنّ هذا الإِتجاه في تصوير التشيع بأنّه أثر فارسي واضح عند كثير من المتأخرين مثل محب الدين الخطيب، وأحمد شلبي، ومصطفى الشكعة وغيرهم.
ولأجل إلقاء الضوء على صحة أو عدم صحة هذه الدعاوى التي نسبت للتشيع وبالذات الاُمور الثلاثة التي عللوا بها دخول الفرس للتشيع لا بد من ذكر اُمور:
1 ـ الرد على الاُمور الثلاثة.
2 ـ تحديد هوية التشيع عرقياً.
3 ـ تحديد هوية التشيع فكرياً.
4 ـ تحديد هوية السنة من نفس المنطلق والعلل التي أخذ بها كتاب السنة.
وسنبحث هذة الاُمور.
____________
(1) مجلة المنار لرشيد رضا مجلد 11 سنة 1326 هـ.
|
|
|
|
الإجابة على أسباب دخول الفرس للتشيّع
1 ـ الأمر الأول:
إصهار الحسين عليه السلام إلى الفرس.
إنّ من القواعد المسلم بها أنّ حكم الأمثال فيها يجوز أو لا يجوز واحد، وبناءاً على هذا فإنّ العلة التي ذكرها هؤلاء الكتاب في اعتناق التشيع من قبل الفرس وهي إصهار الحسين عليه السلام للفرس موجودة عند عبدالله بن عمر بن الخطاب، وعند محمد بن أبي بكر، فقد ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار وغيره من المؤرخين، أنّ الصحابة لما جاؤا بسبي فارس في خلافة الخليفة الثاني كان فيهم ثلاث بنات ليزدجرد فباعوا السبايا وأمر الخليفة ببيع بنات يزدجرد فقال الإِمام عليّ إنّ بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهنّ فقال الخليفة كيف الطريق إلى العمل معهنّ فقال: يقوَّمن ومهما بلغ ثمنهنّ قام به من يختارهنّ فقوِّمن فأخذهنَّ عليٌّ فدفع واحدة لعبدالله بن عمر واُخرى لولده الحسين واُخرى لمحمد بن أبي بكر، فأولد عبدالله بن عمر ولده سالماً، وأولد الحسين زين العابدين وأولد محمد ولده القاسم فهؤلاء أولاد خالة واُمهاتهم بنات يزدجرد(1). وهنا نسأل إذا كانت العلة في دخول الفرس للتشيع هي مصاهرة الحسين للفرس فلماذا لا تطّرد هذه العلة فيتسنن الفرس لإصهار عبدالله بن عمر لهم ومحمد بن أبي بكر كذلك؟ وكل من
____________
(1) فجر الإِسلام ص91.
|
|
|
|
محمد وعبدالله أبناء خليفة كما كان الحسين ابن خليفة. بالإِضافة لذلك إنّ كلاً من يزيد بن الوليد بن عبدالملك واُمه شاه فرند بنت فيروز بن يزدجرد ومروان بن محمد آخر خلفاء بني اُمية اُمه ام ولد من كرد إيران فلماذا لا تطَّرد العلة هنا أيضاً(1) وبالعكس لماذا لايميل العرب السنة لأهل البيت الذين اُمهاتهم عربية في حين نجد قسماً من العرب يبغض أهل البيت كالنواصب مثلاً. هذا سؤال يوجه للعقول التي تقول ولا تفكر.
2 ـ الأمر الثاني:
التقارب في الآراء بين الشيعة والفرس. وأن كلاً منهما يقول بنظرية الحق الإِلهي، ويقول بالوراثة ولا يعرف الإِنتخاب، وفي هذا الأمر شيئان الأول الإِتحاد في الآراء الذي يسبب الدخول للتشيع وهذا الأمر لا يقول به من يحترم عقله فمتى كان مجرد الإِشتراك في رأي دافعاً للإِتحاد بالعقيدة، إنّ كل باحث يعلم أنّ كل اُمة أو جماعة لا تخلو من الإِتحاد مع بعض الاُمم الاُخرى، في رأي من الآراء أو مسألة من المسائل ومع ذلك فلا يقوم ذلك سبباً للإندماج ولنعد لأحمد أمين نفسه ونلزمه بنتائج رأيه إذا وجد السبب فإنه يقول عند بحثه لمسألة الجبر والإِختيار:
إنّ مسألة الجبر والإِختيار تكلم فيها قبل المسلمين فلاسفة اليونان ونقلها السريانيون عنهم وتكلم فيها الزرادشتيون كما بحث فيها النصارى ثم المسلمون(2).
وقد توزع هؤلاء بين القول بالجبر والقول بالاختيار، وبناءاً على منطق أحمد أمين فإن المسلمين نصارى لأنّهم اتحدوا مع النصارى في شق من الرأي، وإلا فما هو مبرر أحمد أمين في اعتباره الشيعة فرساً لأنّهم اتحدوا مع الفرس بالقول ينظرية الحق الإِلهي.؟
____________
(1) تاريخ الخميس للدياربكري 2/321 و322.
(2) فجر الإِسلام ص 284.
|
|
|
|
أما الشق الثاني من الدعوى وهو أن كلاً من الفرس والشيعة يقولون بالوراثة فهو باطل فيما يخص الشيعة لأن الشيعة لا تعتبر الإِمامة متوارثة ولا تقول بالإرث في ذلك بل تذهب إلى أنّ الإِمام منصوص عليه من قبل الله تعالى عن طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أو الإِمام وكتب الشيعة طافحة بذلك(1).
وليست مسألة النص على الإِمام من المسائل المتأخرة عندهم بل هي معلومة من الصدر الأول عند الطبقة الأولى وذلك لوضوح النصوص التي اعتبروها مصدرهم في مسألة الإِمامة. وللتدليل على ذلك أذكر محاورة طريفة حدثت بين الخليفة الثاني وعبدالله بن عباس وكان الخليفة الثاني يأنس بابن عباس ويميل إليه كثيراً فقال له يوماً: ياعبدالله عليك دماء البدن إن كتمتها هل بقي في نفس عليٍّ شيء من الخلافة. يقول ابن عباس: قلت نعم، قال: أو يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم نص عليه؟ قلت: نعم، فقال عمر: لقد كان من رسول الله في أمره ذروة من قول لاتثبت حجة ولا تقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإِسلام فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه فأمسك(2) إنّ المنع الذي أشار إليه الخليفة عمر هو عندما طلب النبي من أصحابه في ساعاته الأخيرة دواة وكتف وقال عليَّ بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً فقال الخليفة عمر: إنّه يهجر وقد غلب عليه الوجع(3).
وعلى العموم إن هذه المحاورة وأمثالها توضح رأي الشيعة في موضوع
____________
(1) الفصول المهمة لشرف الدين ص281، وعقائد الإِمامة للمظفر ص71.
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3/97.
(3) انظر صحيح البخاري 5/137، انظر طبقات ابن سعد 4/61، وانظر النهاية لابن الأثير 5/246 في مادة هجر.
وفي هذا المعنى يقول أحد الشعراء:
أوصى النبي فقال قائلهم * قد راح يهجر سيد البشر
لكن أبا بكر أصاب ولم
* يهجر وقد أوصى إلى عمر
لأنّ كلاً منهما كانت وصيته في مرض الموت.
|
|
|
|
الإِمامة وأنّها بالنص وليست بالوراثة فمن أين جاء المستشرقون وتلاميذهم بنظرية الوراثة لولا عدم الإِحاطة بالتشيع أو التحرف واتباع الهوى.
3 ـ الأمر الثالث وهو دخول الفرس في الإِسلام إرادة هدمه ثم لتحقيق مأربهم ونقل نظريات أسلافهم وهو ادعاء طريف ولا بد من الوقوف قليلاً حوله فنقول:
أولاً:
إنّ مؤلفات هؤلاء القوم في الدفاع عن الإِسلام ومساجدهم ومؤسساتهم الدينية وجهادهم في سبيل الله كل ذلك يشكل شواهد قائمة على كذب هذه الدعوى.
وثانياً:
لا بد من سؤال لهؤلاء القائلين بهذا القول في أنّ إرادة الإِلحاد والهدم عند الفرس هل هي مختصة بالفرس الذين اختاروا الإِسلام ودخلوا في التشيع أم أنّها عند كل الفرس من كل من كان من السنة منهم أو من الشيعة، ولابد أن تكون الإِجابة بالعموم لأن إرادة الإِلحاد جاءت من كونهم فرساً لا من أمر آخر وإذا كانت كذلك فلماذا انصبت الحملات على الفرس الشيعة فقط دون الفرس السنة.
وقد يقول قائل إن ذلك انتقل للفرس من الشيعة وهنا ينتقل الكلام إلى عقائد الشيعة وقد ذكرنا أنّ مصدر عقائدهم الكتاب والسنة فلا سبيل لرميهم بما ينافي الكتاب والسنة هذا إذا كان هؤلاء يبحثون عن الحقيقة ـ وهم أبعد الناس عنها ـ ولو لم يكونوا بعيدين عن الإرادة الخيرة لما بضّعوا شلو الاُمة وفرقوها شيعاً ولخجلوا من المفارقات في أقوالهم لأننا سنوقفك عن قريب على أنّ تاريخ وفقه وعقائد أهل السنة أبطاله الفرس أنفسهم ونحن لا نرى بذلك أي عيب أو غضاضة ما دمنا نعلم أننا كلنا من مصدر واحد وما دام قرآننا يصرح آناء الليل وأطراف النهار بشعار الوحدة وتوحيد المصدر! بقوله تعالى: (ألم نخلقكم من ماء مهين) 20/المرسلات.
ثالثاً:
إنّ المسائل التي أوردها القوم واعتبروها مما يهدم الدين ورموا بها
|
|
|
|
الشيعة الفرس مثل الوصاية والرجعة والقول بالمهدية يشاركهم بها أو بمثلها أهل السنة وما سمعنا أحداً ينبزهم بها أو يعتبرها عليهم سبة، كما أنّ هذه القضايا وردت في روايات أهل السنة بطرق موثوقة وسنذكر ذلك قريباً إن شاء الله، هذا بالإِضافة إلى أن هذه الآراء ليست من ضروريات الإِسلام عند الشيعة وقد تكون من ضروريات المذهب كالقول بالمهدي، فلماذا كل هذا الضجيج المفتعل ولماذا كل هذا الصرف للطاقات الذي يخلق فجوات بين أهل القبلة فضلاً عن عدم جدواه؟ ولماذا هذا الحماس المفتعل ازاء امور لا ينفرد بها الشيعة بل يقول بها السنة أنفسهم؟
|
|
|
|
الفصل الثالث
هوية التشيع العرقية وآراء الباحثين فيها
في صدر هذا العنوان لا بد من سؤال عن معنى مضمون العروبة الذي يميزها عما عداها وأول ما يتبادر للذهن أن العربي هو الذي يولد من أبوين عربيين وبعبارة اُخرى هو المتحدر من دم عربي، وهذا الفرض غير متحقق لأننا لا يمكننا الحصول على دم خالص مائة بالمائة من الشوائب والإِختلاط ولأنّ الدماء إنسانية الإِنتماء كلها تعود لمصدر واحد وهي مختلطة اختلاطاً يصعب معه فرزها عن غيرها، ثم بعد ذلك لأنّه ليس من المتصور أنّ الدماء تتأثر بالعقيدة والفكر والمشاعر، فأي معنى للعروبة مع هذه الفرض، وانطلاقاً من هذا فإنّ كل رأي يقوم على فرض وجود دم عربي خالص هو فرض غير علمي ولا يمكن الركون إليه.
ومع التنزل والتسليم بصحة هذه المقولة وهذا الفرض فقد ذكرنا فيما مر أنّ الشيعة الذين بدأ بهم التشيع وقام على أيديهم هم من القبائل العربية وذكرنا الطبقة الاُولى منهم ولا نريد أن نثقل على القارئ فنذكر له الطبقتين الثانية والثالثة فبوسع كل قارئ الرجوع إلى كتب التراجم ليرى أنّهم في جمهورهم من العرب.
وإذا كان افتراض أن هناك دماً خالصاً غير متأثر بغيره أمراً خيالياً نعود الى السؤال عن معنى العروبة، وسنجد الجواب إنّ العروبة هي المزيج المتكوّن من الفكر والمشاعر واللغة والتربة، وانتزاع العروبة من هذه المصادر هو المسلك الصحيح فهي التي تحدد الهوية ومعظم من كتب في تحديد هوية الإِنسان أكدوا على
|
|
|
|
هذه العوامل فقط وهي اللغة والتاريخ والبيئة والمصالح المشتركة هذه هي التركيبة المزجية التي تكوِّن وتحدد معالم الإِنتماء لاُمة ما(1) وانطلاقاً من ذلك لنرى أين مظان الشيعة من هذه العوامل ولنبدأ من ذلك بالعامل الأول.
مقومات الهوية العرقية
1 ـ البيئة الجغرافية:
إنّ مهد التشيع الأول هو الجزيرة العربية لأنّ شيعة عليٍّ عليه السلام الأوائل هم من الاصحابة ومن جزيرة العرب كما ذكرنا ذلك من قبل، ومع افتراض وجود شخص أو شخصين مثل سلمان الفارسي وأبي رافع القبطي فإنّ نشأة هؤلاء وإقامتهم لفترة طويلة بالحجاز ومن الحجاز انتشر التشيع إلى الأقطار الاُخرى كالعراق وسوريا ومصر والشام وإفريقيا والهند والخليج وأوربا وأمريكا والصين وروسيا وغيرها من سائر أقطار العالم على امتداد السنين. وسنرى في آخر هذا الفصل أقوال الباحثين في ذلك ونصوصهم على أنّ مهد الشيعة الأول هو الجزيرة العربية.
2 ـ اللغة:
يعتبر العلماء أنّ اللغة هي العامل الأساسي في تحديد انتماء كل شخص إلى قومية من القوميات لأنّ اللغة قسم من المشاعر بل تذهب البحوث الحديثة إلى انّها الجزء المهموس من الفكر وذلك لتقسيمهم للفكر إلى قسمين صامت ومهموس(2). وبحكم كون الشيعة من أهل الحجاز فلغتهم كانت العربية وشيعة عليٍّ كما هو واضح من الشريحة التي قدمناها من فصحاء العرب وأبطال البيان.
____________
(1) أنظر القومية العربية للدكتور حازم زكي نسيبه ص101، وأنظر نحو الوحدة العربية ليوسف هيكل فصل اللغة، وانظر آراء وأحاديث في الوطنية والقومية لساطع الحصري ص20.
(2) مجلة عالم الفكر الكويتية مجلد 6 العدد الخاص باللغة.
|
|
|
|
وكان تفوق رواد الشيعة بالبيان والخطابة أدباً أخذوه من إمامهم عليٍّ عليه السلام أمير البيان حتى نبغوا في ذلك وعدهم المؤرخون قادة بيان ونوابغ فصاحة ومن هؤلاء: عدي بن حاتم الطائي وهاشم المرقال وخالد بن سعيد العبشمي الأموي، والوليد بن جابر بن ظالم الطائي وغيرهم (1).
وبحكم كون اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم فقد كان الشيعة يقعون عند التصنيف من قسم المتشددين في اعتبار اللغة العربية لغة العبادة ولغة العقود ولا يتساهلون في ذلك أبداً ولا يقوم عندهم مقام اللغة العربية، في ذلك أي لغة اُخرى، ونلمح من تشددهم في ذلك أنّ اللغة عندهم ليست مجرد قالب للمعنى ولو كانت كذلك لقام مقامها قالب آخر، لكنّها عندهم تستبطن مشاعر وخواص أصيلة في مضمون الرسالة ولهذا نزل القرآن بها لذلك نرى جمهور فقهاء الشيعة يذهبون إلى عدم جواز القراءة في الصلاة والأذان وافتتاح الصلاة بغير اللغة العربية، في حين يذهب كل من أبي حنيفة بصورة مطلقة والشافعية والمالكية بجواز إيقاع الأذان بغير العربية إذا كان المؤذن أعجمياً ويريد أن يؤذن لنفسه أو لجماعة أعاجم مثله (2) ويذهب الشافعي والأحناف والمالكية إلى جواز إيقاع تكبيرة الإِحرام بغير اللغة العربية إذا كان غير قادر على اللغة العربية ذكر ذلك عنهم صاحب الفقه على المذاهب الأربعة في باب شروط تكبيرة الإِحرام من الجزء الأول. ولم أجد في حدود ما عندي من مصادر: لهم اشتراطاً صريحاً في إيقاع العقود باللغة العربية في حين يذهب الشيعة إلى لزوم إيقاع العقد بالعربية اختياراً (3) وفيما يخص عقد النكاح يجوز الحنفية والمالكية والحنابلة إيقاعه بغير اللغة العربية مع القدرة عليها ويذهبون إلى صحة هذا العقد (4).
____________
(1) انظر أسد الغابة 1/35، وأعيان الشيعة للأمين 1/61.
(2) انظر الفقه على المذاهب الأربعة 1/314، وفجر الإِسلام ص250، وكنز العرفان للمقداد السيوري 1/117.
(3) كنز العرفان 2/72.
(4) الأحوال الشخصية لمحمد أبو زهرة ص27 ط مصر الأولى.
|
|
|
|
3 ـ عروبة الخليفة:
ومما يتصل بموضوع اللغة إنّه بالنظر لأهمية اللغة العربية في موقعها من الشريعة الذي يتضح من اختيار السماء لها لتكون الظرف الحامل للفكر الإِسلامي ولما كرم الله تعالى به هذه اللغة في كتابه إذ يقول في الآية الثانية من سورة يوسف:
(وكذلك أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) ويقول في الآية السابعة والثلاثين من سورة الرعد (وكذلك أنزلناه حكماً عربياً) الأمر الذي أجمع معه مفسروا القرآن الكريم على أنّ القرآن حكمة عربية ومحاوراته على نسق محاورات العرب وأساليبهم، وإذا شئت قلت إنّه أخذ مشاعر العرب وخواصهم الحضارية عندما اختار لغتهم ولم يختص أو يتأطر بهم لأن رسالة الإِسلام عالمية ولكنّ الله تعالى جعل اللغة العربية هي القناة التي ينقل الدين القويم عن طريقها للناس. ولأجل ضمان حفظ خواص الرسالة ذهب كثير من الفرق الإِسلامية إلى ضرورة كون الخليفة عربياً. لا لسبب آخر قد يفهم منه معنى عنصري فرسالات السماء منزهة عن ذلك وقد انشطرت الفرق الإِسلامية في اشتراط عروبة الخليفة إلى شطرين: وكان الشيعة من الشطر الذي يؤكد على عروبة الخليفة لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: «الأمة من قريش»(1) في حين ذهب كثير من المسلمين غير الشيعة إلى عدم اشتراط هذا الشرط. ويبدو أنّ هذا المعنى يبتدئ من الخليفة الثاني نفسه حيث قال:
لو أدركني أحد رجلين فجعلت هذا الأمر إليه لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة الجراح ولو كان سالم حياً ما جعلتها شورى(2).
وواضح من ذكره لسالم أنّ الخليفة لا يشترط عروبة الخليفة والا لنص على العرب فقط وقد ذهب لذلك أيضاً مشاهير المعتزلة مثل ضرار بن عمر وثمامة بن أشرس والجاحظ وكثير غير هؤلاء(3).
____________
(1) الفصل بين الملل والنحل 4/89.
(2) طبقات ابن سعد 3/343.
(3) ضحى الإِسلام 1/62.
|
|
|
|
كما يذهب إلى عدم عروبة الخليفة الخوارج بجملتهم ونصوصهم صريحة بذلك(1) وإلى عدم اشتراط عروبة الخليفة يذهب الأحناف أيضاً ولذا صححوا خلافة آل عثمان (2) إنّ اشتراط عروبة الخليفة في واقع الأمر لا يمكن أن يصدر عن بواعث عنصرية أو عن تعصب فإنّ ذلك غير متصور في رسالة سماوية هي خاتمة الرسالات الإِنسانية ضرورة أن الإِسلام دين المساواة ولكن بهذا الشرط يضمن الإِسلام توفر حاكم يعي دقائق الشريعة والخلفيات الحضارية التي ترتبط بها اللغة التي نزلت بها. لهذا فقط يشترط الإِسلام عروبة الخليفة من دون انتقاص للآخرين أو بخس لمكانتهم أو قدح بإخلاصهم.
4 ـ التاريخ والمصالح المشتركة:
إنّ تاريخ الشيعة الذين عددنا أسماءهم جزء من تاريخ الجزيرة العربية بكل أبعاد هذا التاريخ ومقوّماته. وكذلك المصالح المشتركة المادي منها والمعنوي وكذلك النهج الشعبي في التفكير والعادات والسلوك. ولذلك لما جاء الإِسلام أخذ يجاهد لتخليص المسلمين من بعض عاداتهم وأنماط سلوكهم التي كانت تؤلف قدراً مشتركاً بين سكان الجزيرة العربية وبالنظر لكون هذا المعنى مما لا ينبغي الإِطالة فيه لأنّه بحكم البديهيات نكتفي بما ذكرناه ومن هذه الحقائق التي قدمناها تتضح الهوية العرقية للتشيع فهو عربي بانتمائه ومهده ولغته وآرائه ولأجل هذا ذكر الباحثون الموضوعيون أنّ التشيع عربي بكل خواصه وأقصد بالباحثين هنا المتأخرين منهم وذلك لأنّ هذه المسألة لم تكن تشغل بال خصوم الشيعة في العصور الاُولى وإنّما نشأت مؤخراً لأسباب كثيرة أهمها تحول الفرس إلى شيعة ابتداءاً من القرن العاشر