الصفحة 38


ب ـ ابن خلدون يقول:

كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعليٍّ ويرون استحقاقه على غيره ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك وأسفوا له إلا أنّ القوم لرسوخ قدمهم في الدين وحرصهم على الإِلفة لم يزيدوا في ذلك على النجوى بالتأفف والأسف(1).

ج ـ ابن حجر في الإِستيعاب:

يقول في ترجمة أبي الطفيل: عامر بن واثلة بن كنانة الليثي أبو الطفيل أدرك من حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ثمان سنين وكان مولده عام اُحد ومات سنة مائة ويقال: إنّه آخر من مات ممن رأى النبي، وقد روى نحو أربعة أحاديث وكان محباً لعليٍّ وكان من أصحابه في مشاهده وكان ثقة مأموناً يعترف بفضل الشيخين إلا أنه يقدم علياً إنتهى باختصار(2).

وبعد هذه المقتطفات أود أن ألف النظر أنّي خلال مراجعاتي كتب التاريخ لم أر في الفترة التي تمتد من بعد وفاة النبي حتى نهاية خلافة الخلفاء من عمد إلى الشتم من أصحاب الإِمام، وإنّما هناك من قيّم الخلفاء وقيّم الإِمام وحتى في أشد جمحات عاطفة الولاء لم نجد من يشتم أحداً ممن تقدم الإِمام بالخلافة يقول أبو الأسود الدؤلي:

اُحبّ محمداً حباً شديداً * وعباساً وحمزة والوصيا
يقول الأرذلون بنو قشير * طوال الدهر ما تنسى عليا
اُحبّهمُ لحبِّ الله حتى * أجيء إذا بعثت على هويا
بنو عم النبي وأقربوه * أحبّ الناس كلهم إلينا
فإن يك حبهم رشداً اُصبه * ولست بمخطئ إن كان غياً (3)

____________

(1) تاريخ ابن خلدون 3/364.

(2) الإِستيعاب 2/452.

(3) الكامل للبمرد هامش رغبة الأمل ج7.


الصفحة 39


يضاف لذلك أنّه حتى في الفترة الثانية أي في عهود الاُمويين كان معظم الشيعة يتورعون عن شتم أحد من الصحابة، أو التابعين: يقول ابن خلكان في ترجمة يحيى بن يعمر: كان شيعياً من القائلين بتفضيل أهل البيت من غير تنقيص لغيرهم (1).

____________

(1) وفيات الأعيان 2/269.


الصفحة 40


الفصل الرابع
الشيعة غير الروافض

من كان ذكرته يتضح أمر آخر وهو أن ما دأب عليه بعض الكتاب من رمي الشيعة بالرفض وتسميتهم بالروافض نشأ مؤخراً وبأسباب خاصة سنذكرها:

إن هذا الزمن الذي نشأ فيه نعت الشيعة بالروافض هو في أيام الأمويين، ولذك جاءت النصوص تنعت الروافض بأنهم قسم من الشيعة لا الشيعة كما يريد البعض ومن تلك النصوص:

1 ـ محمد مرتضى الزبيدي في تاج العروس قال:

والروافض كل جند تركوا قائدهم والرافضة فرقة منهم، والرافضة أيضاً فرقة من الشيعة قال الأصمعي سموا بذلك لأنهم باعيوا زيد بن علي ثم قالوا له تبرأ من الشيخين فأبى وقال لا كانا وزيري جدي فتركوه ورفضوه وارفضوا عنه(1).

2 ـ إسماعيل بن حماد الجوهري قال في الصحاح:

عند مادة رفض مورداً نفس المضمون الذي ذكره الزبيدي فكأنه نسخة طبق الأصل(2).

____________

(1) تاج العروس 5/34.

(2) صحاح الجوهري 3/1078 تسلسل عام الكتاب.


الصفحة 41


3 ـ القاضي عياض

فرق القاضي عياض في كتابه ترتيب المدارك في أعلام مذهب مالك بين الشيعة والرافضة وذلك حينما قارن مذهب الإِمام مالك بغيره فقال:

فلم نر مذهباً من المذاهب غيره أسلم منه فإنّ فيهم الجهمية والرافضة والخوارج والمرجئة والشيعة إلا مذهب مالك فإنا ما سمعنا أحداً من نقله مذهبه قال بشيء من هذه البدع(1).

ومن الواضح من هذه الجملة أنّ الرافضة غير الشعية لمكان التغاير الناتج من العطف. ومن هذا ومن غيره مما نقله أصحاب المقالات مما لا يخرج عن نفس المضمون يتضح أنّ اصطلاح الروافض مأخوذ بمعناه اللغوي في انّه لكل جند رفضوا قائدهم، وتطبيقه على أصحاب زيد من باب تطبيق الكلي على أحد مصاديقه وإلى هنا فإنّ المسألة طبيعية. ولكن الذي يلفت النظر أن يكون أصحاب زيد طلبوا منه البراءة من الشيخين فإنّ ذلك محل تأمل طويل للأسباب التالية:

1 ـ إنّ هؤلاء الذين طلبوا البراءة لو كانوا شيعة فلا بد أنّهمم حريصون على نصر زيد وكسب المعركة ضرورة أنّ مصيرهم مرتبط بمصير زيد فإذا هزم فمعنى ذلك القضاء عليهم قضاءً تاماً خصوصاً وأنّ خصومهم الاُمويون الذين يقتلون على الظنة والتهمة كل من يميل إلى آل أبي طالب، فما الذي دفعهم إلى خلق هذه البلبلة التي أدت إلى انفضاض جند زيد عنه وبالتالي إلى خسارته للمعركة فموته شهيداً على أيدي الاُمويين فلا بد أن يكون هؤلاء ليسوا من الشيعة وإنّما هم جماعة مندسة أرادت إحداث البلبلة للقضاء على زيد واحتمال كسبه للمعركة.

2 ـ وعلى فرض التنزل والقول بوجود فرقة خاصة من رأيها رفض الشيخين فما معنى سحب هذا اللقب على كل شيعي يوالي أهل البيت حتى أصبح هذا الأمر من المسلمات فوجدنا الإِمام الشافعي يقول في أبياته الشهيرة:

____________

(1) ترتيب المدارك 1/51.


الصفحة 42


يا راكباً قف بالمحصَّب من منى * واهتف بقاعد جمعها والناهض
سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى * فيضاً كملتطم الفرات الفائض
أعلمتمُ أنّ التشيع مذهبي * إنّي أقول به ولست بناقض
إن كان رفضاً حبّ آل محمدٍ * فليشهد الثقلان أنّي رافضي

البيت الأخير من هذه الأبيات ذكره الزبيدي في تاج العورس في مادة رفض(1) وباقيها في ترجمة الشافعي بمختلف الكتب.

إنّ تعبير الإِمام الشافعي: إن كان رفضاً حبّ آل محمد يدل على أنّ هناك إرادة لسحب اللقب هو رافضي على كل شيعي مبالغة في التشهير بهم وشحن المشاعر ضدهم مما سنلمح كثيراً من الأمثلة له، ومما يؤيد على أنّها تتمشى مع تخطيط شامل يستهدف محاصرة التشيع والتشهير به وبكل وسيلة سليمة كان أم لا.

3 ـ قد يقال إنّه لا شك في وجود جماعة شتّامين للصحابة فما هو السبب في كونهم من هذا الصنف في حين تدعون أنّ الشتم لا تقره الشيعة ولا أئمتهم وللجواب على هذا السؤال لا بد من الرجوع إلى مجموعة من الأسباب تشكل فعلاً عنيفاً استوجب رد الفعل ومن هذه الأسباب ما يلي:

أسباب الشتم

أ ـ المطاردة والتنكيل المروع للشيعة وبالشيعة وما تعرضوا له من قتل وإبادة على الظنة والتهمة وفي أحسن الحالات الملاحقة لهم والمحاربة برزقهم ومنعهم عن عطائهم من بيت المال وفرض الضرائب عليهم وغزلهم اجتماعياً وسياسياً وبوسع القارئ الرجوع إلى التاريخ الاُموي في الكوفة وغيرها من المدن الشيعية ليقف بنفسه على ما وصلت إليه الحالة وما انتهى إليه ولاة الاُمويين من قسوة ومن هبوط

____________

(1) تاج العروس 5/35.


الصفحة 43


في الإِنسانية إلى مستويات يتبرأ منها الوحش في العهدين الاُموي والعباسي(1). إنّ مثل هذا الإضطهاد يستلزم التنفيس عن الكبت فقد يكون هذا التنفيس في عمل إيجابي بشكل من الأشكال وأحياناً قد يكون سلبياً فيلجأ إلى هذا الشتم. ولسنا نبرر ذلك بحال من الأحوال لما سبق أن ذكرناه من أسباب.

ب ـ إنّ الذي أسس هذه الظاهرة هم الاُمويون أنفسهم لأنّهم شتموا الإِمام علياً عليه السلام على المنابر وشتموا أهل البيت لمدة ثمانين سنة واستمر هذا الوضع حتى أنّ محاولة الرجل الطيب عمر بن عبدالعزيز لم تنجح في منع الشتم وكانت كلمة الاُمويين وبالذات معاوية أنّهم إنما أسسوا شتمه ليدرج عليه الصغير ويهرم عليه الكبير، فنشأت مقابل ذلك ردة الفعل. ومما عمّق هذه الظاهرة: هو الإِلتواء في معالجة هذه المشكلة من قبل بعض أعلام السنة. وعلى سبيل المثال نجد ابن تيمية يؤلف كتابه الصارم المسلول في كفر من شتم الرسول أو أحد أصحاب الرسول، ويحشد فيه الأدلة على كفر الشاتم ولكنّه مع ذلك ومع علمه بما قام به معاوية والأمويون لا يقول بكفر الامويين الذين قاموا بشتم الإِمام عليه السلام وأهله. إنّ عليّ بن أبي طالب أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ومن ضحى بكل ذرة من كيانه في خدمة الإِسلام والمسلمين فلماذا لا يكفر شاتمه؟ وستسمع الجواب طبعاً بأنّه تاب وغفر الله له وانتهى الأمر.

وإليك مثالاً آخر: لقد تولى يزيد بن معاوية الحكم لمدة ثلاث سنوات قتل في سنة منها الحسين وأهل بيت رسول الله وسبى عيالهم وذبح أطفالهم وعمل فيهم أعمالاً لا تصدر من كسرى وقيصر.

وفي سنة ثانية قتل عشرة آلاف من المسلمين وسبعمائة من الصحابة حملة القرآن، واستباح المدينة ثلاثة أيام وسمح لجند أهل الشام أن يهتكوا أعراض المسلمات وذبح الأطفال حتى كان الجندي الشامي يأخذ الرضيع من ضرع اُمه ويقذف به الجدار حتى ينتشر مخه على الجدار وأجبر الناس على بيعة يزيد على

____________

(1) انظر مورج الذهب للمسعودي 3/12 و50، وانظر تاريخ الطبري 6/344.


الصفحة 44


أساس أنّهم عبيد له، أخاف المدينة وروع الناس وأحال أرض المدينة المنورة إلى برك من الدماء وتلول من الأشلاء.

وفي سنة ثالثة سلط المنجنيقات على الكعبة وهدمها وأحرقها وزعزع أركانها وجعل القتال داخل المسجد الحرام وسال الدم حتى في قاع الكعبة وقد استعرض ذلك مفصلاً كل من تاريخ الخميس للديار بكري والطبري وابن الأثير والمسعودي في مروج الذهب وغيرهم من المؤرخين في أحداث سنة ستين حتى ثلاث وستين من الهجرة. ومع ذلك كله تجد كثيراً من أعلام السنة يخطئون من يخرج لقتال يزيد وأنّ الخارج عليه يحدث فتنة ووصل الأمر إلى حد تخطئه الحسين عليه السلام سيّد شباب أهل الجنة فكأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم عندما قال: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» ما كان يعلم بأنه يقاتل يزيد وحينما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: «إنّ الحسين وأصحابه يدخلون الجنة بغير حساب»(1) لم يأخذ في حسابه أنّهم خارجون على يزيد اللهم اهد قومنا، وكأنّ ابن العربي المالكي أعرف بمصائر الأمور من النبي نفسه الذي يرسم للحسين مصيره ويأمره بتنفيذ ذلك، أرأيت معي إلى أي مستوى من المهازل تصل الدنيا؟

وهذا الإِمام الغزالي الذي سنقف قريباً معه وقفة قصيرة يقول وأمام عينيه عشرات من كتب السير والتاريخ التي تؤكد بالطرق الموثوقة بشاعة الأحداث التي تمت بأمر يزيد وبفعله المباشر لبعضها. يقول في باب اللعن من كتابه إحياء العلوم:

فإن قيل: هل يجوز لعن يزيد لأنّه قاتل الحسين، أو أمر به، قلنا هذا لم يثبت أصلاً فلا يجوز أن يقال إنّه قتله أو أمر به مالم يثبت، فضلاً عن لعنه، لأنّه لا يجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق، إلى أن قال: فإن قيل: أن يقال «قاتل الحسين لعنه الله، أو الآمر بقتله لعنه الله» قلنا: الصواب أن يقال قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله(2).

____________

(1) تهذيب التهذيب لابن حجر 2/347.

(2) إحياء العلوم 2/276.


الصفحة 45


بربّك أيها القارئ هل تملك أعصابك وأنت تسمع مثل هذا الكلام يصدر من مثل هذا الشخص؟. هل كل كتب السير والتاريخ عند المسلمين والتي نصت على صدور هذه الأحداث أمراً ومباشراً من يزيد كلها لا تثبت أفعال يزيد ولا تدينه؟! وعنده أنّ يزيد وأمثاله من قتلة الأنبياء وأبناء الأنبياء ممن يوفقون للتوبة؟! إنّ كل وسائل الإِثبات لا تثبت إدانة يزيد عن الغزالي، ولكن يثبت عنده من طيف رءآه أنّه رأى الله تعالى واجتمع به ووضع يده بيده وحادثه وأفاض عليه من نوره(1).

يقول صاحب مفتاح السعادة: إنّ أبا بكر النساج ألحد العزالي في قبره وخرج متغير اللون فسألوه عن ذلك فقال: رأيت يداً يمنى خرجت من تجاه القبلة وسمعت منادياً ينادي ضع يد محمد الغزالي في يد سيد المرسلين(2) إنّ أمثال هذه المواقف تثبت بوسائل إثبات من هذا النوع ولكن كتب التاريخ كلها لا تشكل وسلية إثبات في إدانة يزيد!... ويصل الأمر إلى رمي آل البيت بالشذوذ فضلاً عن عدم ترتيب الأثر على شتمهم فيقول ابن خلدون في المقدمة: وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح وعلى قولهم بعصمة الأئمة ورفع الخلاف عن أقوالهم وهي كلها اُصول واهية.

يقول ذلك ونصب عينيه أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في أهل بيته كما رواه ابن حجر في بصواعقه (3) «في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ألا وإنّ أئمتكم وفدكم إلى الله تعالى فانظروا من توفدون» ونصب عينه أيضاً ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلّم كما رواه الحاكم في المستدرك:

«ومن أحبّ أن يحيا حياتي ويموت ميتتي ويدخل الجنة التي وعدني بها ربّي

____________

(1) انظر الغدير للأميني 11/161.

(2) المصدر السابق نفس الصفحات.

(3) الصواعق المحرقة لابن حجر ص128.


الصفحة 46


وهي جنة الخلد فليتولَّ علياً وذريته من عبدي فإنّهم لم يخرجوكم من هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة(1)».

ومع ذلك كله فأهل البيت شاذون مبتدعون في نظر الشعوبي ابن خلدون إنّي والله يعلم اذ أورد أمثال هذه المقاطع إنما اُريد وضع اليد على الدملة التي أهلكنا التهابها عبر السنين. إنّ أمثال هذه المواقف إنما تعمق جذور الخلاف فيكون التنفيس عنا سلبياً أحياناً إنّ كتّاب المسلمين مسؤولون عن شجب هذه المواقف التي رحل واضعوها وبقيت مصدر بلاء على المسلمين. إنّ مما يبعث على الإِستغراب أن يسكت علماء وكتّاب المسلمين على أقوال ابن خلدون وأمثاله مع قيام الأدلة على أنّ آل محمد هم الإِمتداد المضموني لمحمد صلى الله عليه وآله.

بالإِضافة إلى ذلك كلّه إنّ السنن التي تروى عن طريق أهل البيت عليهم السلام لا يعمل بها بينما يعمل ببدع واستحسانات وردت عن طريق غيرهم خذ مثلاً مسألة الأذان الذي حذف منه فقرة حيّ على خير العمل من ثبوتها وأنّها جزء من الأذان بطرق مختلفة يقول صاحب مبادئ الفقه في هذا الموضوع ما يلي:

كيفية الأذان هي: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، حيَّ على الصلاة حيَّ على الصلاة حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاَّ الله.

هذا هو الأذان الذي اتفق البصريون والكوفيون على كلماته، وتبعهما الشاميون والمصريون ومذهب الحجازيين والزيدية والمالكية إلى أنّ كلمة الله أكبر في أول الأذان مرتان لا أربع وعليه عمل أهل المدينة وأمّا «الصلاة خير من النوم» فليست من الأذان الشرعي: ففي تيسير الوصول عن مالك أنّه بلغه أنّ المؤذن جاء عمر يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً فقال: الصلاة خير من النوم فأمره عمر أن يجعلها نداء الصبح. ولذلك قال أبو حنيفة: هذه الجملة تزاد بعد إكمال

____________

(1) مستدرك الحاكم 3/148.


الصفحة 47


الأذان لأنّها ليست من السنة.

أما «حيَّ على خير العمل» فمذاهب العترة أنّها بين حيّ على الفلاح وبين الله أكبر، «دليلهم في ذلك من كتب السنة ما يلي: روى البيهقي في السنة أنّ عليّ ابن الحسين زين العابدين كان يقول إذا قال حيّ على الفلاح حيّ على خير العمل ويقول هو الأذان الأول.

وأورد في شرح التجريد مثل هذه الرواية عن ابن أبي شيبة ثم قال: وليس يجوز أن يحمل قوله «هو الأذان الأول» لا على أنّه أذان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وزاد رواية اخرى عن ابن عمر: أنّه بما زاد في أذانه حيّ على خير العمل، وأورد البيهقي هذه الرواية عن ابن عمر أيضاً.

ونقل ابن الوزير عن المحبّ الطبري الشافعي في كتابه إحكام الأحكام ما نصه: ذكر الحيعلة بحيّ على خير العمل عن صدقة بن يسار عن ابن أمامة سهل بن حنيف أنّه كان اذا أذن قال: «حيّ على خير العمل» أخرجه سعيد بن منصور، وروى ابن حزم في كتاب الإِجماع عن ابن عمر: أنّه كان يقول «حيّ على خير العمل».

وقال علاء الدين مغلطاي الحنفي في كتاب التلويح شرح الجامع الصحيح: ما لفظه: وأما حيّ على خير العمل فذكر ابن حزم أنّه صح عن عبدالله بن عمر وأبي أمامة سهل بن حنيف أنّهما كانا يقولان في أذانهما «حيّ على خير العمل» وكان عليّ بن الحسين يفعله وذكر سعد الدين التفتازاني في حاشيته على شرح العضدي على مختصر الاصول لابن الحاجب أنّ حيّ على خير العمل كان ثابتاً على عهد رسول الله وأنّ عمر هو الذي أصرّ أن يكفّ الناس عن ذلك مخافة أن يثبّط الناس عن الجهاد ويتّكلوا على الصلاة.

وقال ابن حميد في توضيحه: وقد ذكر الروياني أنّ للشافعي قولاً مشهوراً بالقول به: وقد قال كثير من علماء المالكية واغيرهم من الحنفية والشافعية أنّ حيّ على خير العَمل كان من ألفاظ الأذان.


الصفحة 48


قال الزركشي في البحر المحيط: ومنها ما الخلاف فيه موجود كوجوده في غيرها، وكان ابن عمر عميد أهل المدينة يرى افراد الأذان والقول فيه حيّ على خير العمل(1) وبعد كل ما ذكرناه وما ورد في هذا الفصل المدعوم بروايات صحيحة في طرق أهل السنّة فماذا يا ترى لا يعمل بما ورد عن آل محمد وبطريقهم من السنن الصحيحة مع أنّهم محالُّ رحمة الله وبيوتهم مهابط وحيه وصدورهم عيبة علم النبي ألا يبعث هذا على الدّهشة؟

في حين نرى من غيرهم أحكاماً لا تلتقي بحال من الأحوال مع المدارك السليمة ومع ذلك يؤخذ بها وتعتبر مدركاً من المدارك فعلى ماذا تحمل هذه الاُمور إن لم تحمل والعياذ بالله على البعد عن آل محمد وهم عدل الكتاب بنص النبي عليه السلام خذ مثلاً: ما ذهب إليه بعض فقهاء السنة من أن الإِنسان إذا ترك الصلاة عمداً لا يجب عليه قضاؤها اما اذا تركها نسياناً فيجب عليه قضاؤها (2) واعتقد ان ذلك يخرج على رأي من يقول أن الكافر لا يكلف بالفروع، وحيث ان التارك عمداً يمكن ان يكون تركه لها لعدم الإِيمان بها اساساً فهو كافر ومهما يكن فان هذا من الفروع البعيدة عن روح الأحكام الصحيحة.

____________

(1) نقلت هذا الفصل من كتاب مبادئ الفقه لمحمد سعيد العوفي ص52 طبع دمشق الثالثة 1977

(2) نيل الاوطار للشوكاني ط مصر 1952 2/27


الصفحة 49


الباب الثاني
وفيه فصول


الصفحة 50



الصفحة 51


الفصل الأول
فارِسيّة التشيُّع

هذا الموضوع من المواضيع التي كثر الحديث حولها وهي في واقعها تكوّن جزءاً من محاصرة التشيع كما سبق أن ألمعت لذلك. إنّ خصوم الشيعة ومن تبعهم من المستشرقين وكل يضرب على وتر يستهدفه، جعلوا هذه القضية من الاُمور المسلمة وضلع تلامذتهم في ركابهم وحشدوا كل وسائلهم لترسيخها في الأذهان فما تركوا وسيلة لإِثبات أنّ التشيع فارسي شكلاً ومضموناً إلا وأخذوا بها مع تفاهة هذا المدعى كما سنرى ومع أنّه من قبيل رمتني بدائها وانسلت والغريب أنّ هذه الفرية تعيش للآن مع وضوح الرؤية وانتشار المعارف وانكشاف الحقائق وسأبحث هذا الموضوع مفصلاً نظراً لأهميته.

إنّ التشيع في معناه اللغوي: المناصرة والموالاة، وبالمعنى الإصطلاحي هو الإعتقاد بأفكار معينة يشكل مجموعها مضمون التشيع، فكيف والحالة هذه أن نتصوّر كون التشيع فارسياً؟

وحتى نستوعب النقاط المتصورة في هذا الموضوع لا بد من شرح اُمور ننتهي معها إلى مقدار ما في هذا الإِدعاء من نسبة علمية أو تهريج فلا بد من ذكر اُمور:

أولاً:

إنّ المضمون الفكري للتشيع هو نفس المضمون الإِسلامي، وأي مضمون يشذ عن المضمون الإِسلامي في العقيدة والأحكام فالشيعة منه براء

الصفحة 52


بدليل أنّ مصادر التشريع عند الشيعة هي أربعة أذكرها لك على التوالي:

أ ـ الكتاب الكريم:

وهو ما اُنزل بمضامينه وألفاظه وأسلوبه واعتبر قرآناً وهو هذا المجموع بين الدفتين المتداول بأيدي المسلمين المنزه عن النقص والتحريف والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والمتواتر بكلماته وحروفه بالتواتر القطعي من عهد النبوة حتى يومنا هذا وقد جمع على عهد النبي بوضعه الحالي وكان جبرئيل يعرضه على النبي صلى الله عليه وآله وسلّم كل عام(1).

ب ـ السنة الشريفة:

وهي قول المعصوم وفعله وتقريره الواصلة إلينا بالطريق الصحيح عن الثقات العدول، والتي لا يتم لنا الوصول إلى ملابسات الأحكام بدونها والتي جاء دليل حجيتها من القرآن الكريم بقوله تعالى:

(وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فنتهوا) 7/ا الحشر.

ج ـ الإِجماع:

الذي يكشف ضمناً عن قول المعصوم سواء قل المجمعون أم كثروا وسواء كان دليلاً مستقلاً مقابل الكتاب والسنة والعقل أم أنّه طريق وحاك عن رأي المعصوم، وأدلة حجيته مفصلة في الكتاب والسنة والعقل.

د ـ دليل العقل:

ويرجع إليه وإلى قواعده عند فقدان النصوص أو تعارض الأدلة في تفصيل لا داعي لشرحه هنا: وملخصه: هو إدراك العقل بما هو عقل للحسن والقبيح في بعض الأفعال الملازم لإِدراكه تطابق العقلاء عليه وذلك ناتج من تأدب العقل بذلك وبما أن الشارع سيد العقلاء فقد حصل إدراك حكم الشارع قطعاً وليس

____________

(1) الفصول المهمة لشرف الدين ص163، والبيان للخوئي ص197.


الصفحة 53


وراء القطع حجة.

ونظراً لأهمية التعرف على تفصيل هذه المصادر فإنّي اُحيل من يريد التوسع في فهمها واستيعاب معانيها إلى مجموعة من المصادر هي التالية (1):

إن هذه المصادر التشريعية هي المكونات العضوية لهيكل الشريعة الاسلامية باتفاق جمهور المسلمين على اختلاف بسيط في بعض تفاصيلها ولما كانت هي مصادر التشريع عند الإِمامية فما معنى وصف التشيع بالفارسية.

إذا كان الباحثون في التشيع يقصدون من الفارسية مضمون التشيع الفكري. وهذا ما أَستبعده فإنّه لا يمكن أن يقول به قائل، إذ لا يتصور أنّ إنساناً يفترض لأحكام شرعية نوعاً من العرقية، وعليه فلا بد من استبعاد هذا الفرض من فارسية التشيع والرجوع إلى فروض اُخرى في هذا الموضوع يفترضها الباحثون.

هناك فرض آخر لتصور فارسية التشيع: هو أن هناك مفاهيم معينة بالحضارة الفارسية انتقلت إلى التشيع بمعناه الإِصطلاحي عن طريق من اعتنق التشيع من الفرس ولم يستوعب التشيع كل أبعادهم فجاء من تصور هذه المعتقدات جزءاً من ماهية التشيع. وبقيت هكذا يتداولها خلف عن سلف. وهذا الفرض قد صرح به أكثر من باحث كما سأذكره لك بعد قليل. وفيما يخص هذه الصورة وهذا الفرض لا بد من الإِشارة لاُمور:

تعقيب

أ ـ إنّ هذا الإِشكال بناءاً على فرض حدوث مضمونه، فإنّه يرد على المضمون الإِسلامي نفسه حيث نص على ذلك معظم من كتب في الحضارة

____________

(1) الأصول العامة للفقه المقارن ص179 حتى ص300 وانظر أصول الفقه للمظفر 3/338 فصاعداً وانظر البيان للسيد الخوئي مبحث صيانة القرآن عن التحريف.


الصفحة 54


الإِسلامية وخصوصاً في الفترة الأولى من العهود الإِسلامية والتي شكلت مضامين العقيدة فيها جدولاً انصب فيه أكثر من رافد ورافد عن طريق الاُمم التي اعتنقت الإِسلام جماعات منها ودخلت وهي تحمل أفكارها وعقائدها التي لم تتخلص منها وظهرت في الأفكار والسلوك كجماعات الروم والفرس والصينيين والعبريين ولعل اليهود أكثر الجماعات تأثيراً في الحضارة الإِسلامية حيث تبدو روحهم واضحة في هذه الميادين. وذلك لأنّهم استأثروا بالتفسير بالقصص الديني لأنّهم أهل كتاب وفيهم كثير من الأحبار الذين يحفظون أحكام التوراة وقصص الاُمم التي حفظتها الحضارة العبرية والأساطير التي رافقت تلك القصص، ولما كانت الجزيرة العربية فقيرة إلى الأفكار الدينية والمضامين الثقافية لعب الفكر اليهودي دوراً هاماً في ملء هذا الفراغ وخصوصاً في الفكر السني الذي حاول أن يتخلص من هذا الرداء ويخلعه على الشيعة عن طريق الشخصية الوهمية عبدالله بن سبأ كما سنبرهن لك وهمية هذه الشخصية قريباً. ولكن حقائق الاُمور والبحث الدقيق يثبت عكس ما ادعاه هؤلاء القوم وما نسبوه للشيعة.

أجل إنّ آراء اليهود انتقلت إلى الفكر الإِسلامي عن طريق كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبدالله بن سلام وغيرهم وأخذت مكانها في كتب التفسير والحديث والتاريخ وتركت بصماتها على كثير من بنود الشريعة. إنّ بوسع أي باحث الوقوف على ذلك في كتب كثيرة مثل تاريخ الطبري، وتفسيره جامع البيان، وفي كتاب البخاري وغيره من المؤلفات مما سنشير إلى مصادره عند ذكره. وستجد فصلاً ممتعاً في تعليل العداوة بين الإِنسان والحية يذكره الطبري في تفسيره بسنده عن وهب بن منبه وذلك عند تفسيره للآية السادسة والثلاثين من سورة البقرة وهي قوله تعالى: (قلنا اهبطوا منها بعضكم لبعض عدو) الخ، يقول الطبري وأحسب أنّ الحرب التي بيننا ـ أي نحن والحيات ـ كان أصله ما ذكره علماؤنا الذين قدمنا الرواية عنهم في إدخالهنّ ـ يعني الحيات ـ إبليس الجنة بعد أن أخرجه الله منها، ويستمر في سرد أفكار عجيبة يستحسن أن يقرأها من

الصفحة 55


يريد الفائدة من تفسيره(1) ويقول الطبري في تاريخه عند شرح الذبح العظيم الذي فدى به إبراهيم ولده إسماعيل بأمر الله تعالى:

ان الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبِّل منه(2).

وينقل في تاريخه قصصاً تلمس عليها الروح اليهودي واضحاً ومن ذلك ما ذكره فقال: تزوج اسحق امرأة فحملت بغلامين في بطن واحد فلما أرادت أن تضعهما اقتتل الغلامان في بطنها فأراد يعقوب أن يخرج قبل عيص فقال عيص والله لئن خرجت قبلي لأعترضنّ في بطن اُمي ولأقتلنّها فتأخر يعقوب وخرج عيص قبله وأخذ يعقوب بعقبه فمسي عيص عيصاً لأنّه عصى وسمي يعقوب يعقوباً لأنه خرج بعقب عيص، وكبر الغلامان وكان عيص أحب إلى أبيه ويعقوب أحب إلى اُمه وكان عيص صاحب صيد فلما عمي إسحق قال لعيص أطعمني لحم صيد واقترب مني حتى أدعولك، وكان عيص أشعر ـ أي كثير الشعر ـ ويعقوب أجرد فخرج عيص يتصيد وقالت اُمه لإِسحق إذبح كبشاً ثم اشوه والبس جلده وقدمه لأبيك كي يدعو لك فلما مسه قال من أنت؟ قال: عيص، فقال: المس مس عيص والريح ريح يعقوب فقالت اُمه: هو ابنك عيص فادعو له الخ(3) ولست أدري كيف كان يعقوب لا يعرف أصوات أولاده وكيف تطلب الاُم البركة من دعوات إسحق وهي تكذب وكيف يكذب أبناؤها وأي بيت نبي هذا البيت الذي يكون أعضاؤه من هذا النوع، ثم أي اسم مشتق مثل يعقوب أو إسحق أو عيص لا يصلح لأن يشتق منه أمثال هذه الخزعبلات وهذا الهراء والسخف.

وأما الإِمام البخاري فإنّك تلمس الروح الإسرائيلي في كثير من رواياته

____________

(1) تفسير الطبري 1/234.

(2) تاريخ الطبري 1/142. وإذا كان يمكن لكبش أن يعيش هذه المدة الطويلة كما هو في الفكر السني فلماذا يستكثر علينا اذا قلنا أنّ شخصاً عاش منذ ألف ومائة سنة تقريباً للآن ولا يستكثر على من يفرض أنّ كبشاً عاش آلافاً مؤلفة من السنين.

(3) تاريخ الطبري 1/164.


الصفحة 56


وإليك نماذج من تلك الروايات التي يتضح فيها هذا الروح:

يقول البخاري بسنده عن أبي هريرة: ما من بني آدم مولود يولد الا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان غير مريم وابنها(1) وما أدري إذا كان هذا فضيلة فلم حرم منها نبينا صلى الله عليه وآله وسلّم وهو سيّد الأنبياء وإذا لم يكن ذلك فضيلة فما قيمة ذ